29 يوليو، 2025 in غير مصنف

هل الكفيف يحلم؟ وهل يرى في أحلامه؟ وكيف يحلم؟

لطالما كان عالم الأحلام موضوعًا خصبًا للأسئلة الفلسفية والعلمية. إنه يكشف عن أعمق أسرار العقل البشري. ومن بين أكثر الأسئلة إثارة للفضول يبرز تساؤل جوهري حول تجربة فاقدي البصر: هل يحلم الشخص الكفيف؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف تتشكل هذه الأحلام في غياب الصور المرئية؟ هذا المقال يقدم إجابات مفصلة ومبسطة، مستندة إلى الدراسات العلمية والتجارب الإنسانية.

هل عالم الأحلام حكرٌ على المبصرين فقط؟

الإجابة العلمية والمباشرة هي لا. القدرة على الحلم هي وظيفة دماغية أساسية تحدث لدى جميع البشر، بغض النظر عن قدرتهم على الإبصار. تحدث الأحلام بشكل رئيسي خلال مرحلة النوم المعروفة بـ “حركة العين السريعة” (REM)، وهي مرحلة يمر بها المكفوفون تمامًا مثل المبصرين.

الحلم في جوهره هو عملية يقوم فيها الدماغ بمعالجة وتنظيم الذكريات، المشاعر، والتجارب اليومية. بالنسبة للشخص الكفيف، فإن دماغه يبني سيناريوهات الحلم بالاعتماد على المدخلات الحسية المتاحة له. لذا، فإن الاختلاف لا يكمن في وجود الحلم من عدمه، بل في طبيعة محتواه وكيفية اختباره.

كيف يحلم من فقد بصره بعد أن كان مبصرًا؟

تختلف تجربة الحلم بشكل كبير اعتمادًا على ما إذا كان الشخص قد فقد بصره أم وُلد به. الأفراد الذين فقدوا بصرهم في مرحلة متأخرة من حياتهم (يُعرفون بالمكفوفين العارِضين)، خاصة إذا حدث ذلك بعد سن الطفولة المبكرة (ما بين 5 إلى 7 سنوات)، يحتفظون بمخزون غني من الذكريات البصرية.

هذه الذكريات تسمح لهم بتكوين أحلام مرئية. يمكن لهؤلاء الأفراد أن “يروا” في أحلامهم وجوه الأشخاص الذين يعرفونهم، والأماكن التي زاروها، والألوان التي ألفوها. ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن تكرار ووضوح هذه الأحلام البصرية قد يتناقص مع مرور السنين وابتعاد الشخص عن التجربة المرئية. وبشكل تدريجي، تبدأ الحواس الأخرى، كالسمع واللمس، في احتلال مساحة أكبر وأكثر أهمية في عالم أحلامهم.

ماذا عن أحلام من وُلد كفيفًا؟

هنا تكمن التجربة الأكثر تميزًا. الأفراد الذين وُلدوا فاقدين للبصر (المكفوفون خِلقيًا) لم يكوّنوا أي تجارب أو ذكريات بصرية على الإطلاق. بالتالي، فإن أحلامهم تخلو تمامًا من الصور والألوان والمشاهد المرئية كما يعرفها المبصرون.

لكن هذا لا يعني أن أحلامهم فارغة أو مجرد فراغ أسود. على العكس تمامًا، إنها تجارب حسية كاملة وغامرة، تُبنى وتُصاغ بالكامل من خلال الحواس الأخرى التي يعتمدون عليها في إدراك العالم.

بأي حواس يتم بناء الحلم عند فاقد البصر؟

يعتمد محتوى أحلام الشخص الكفيف، خاصة من وُلد كذلك، على نسيج حسي متكامل يشمل:

  •  * السمع: الأصوات تلعب الدور الرئيسي. يمكن للحلم أن يكون عبارة عن محادثات واضحة، موسيقى، ضوضاء مدينة، أو أصوات طبيعية دقيقة تحدد معالم المكان وتفاصيل الحدث.
  •  * اللمس: الأحاسيس الجسدية تكون في غاية الأهمية. قد يحلم الشخص بملمس الأسطح المختلفة، الشعور بالدفء أو البرودة، الإحساس بالعناق، أو حركة الهواء على البشرة.
  •  * الشم والتذوق: الروائح والنكهات يمكن أن تكون محور الحلم. قد يستحضر الحلم رائحة طعام معين، عطر شخص ما، أو رائحة مكان مألوف، مما يثير مشاعر وذكريات قوية.
  •  * الإحساس المكاني والحركي: يختبر المكفوفون في أحلامهم إحساسًا بالحركة والتنقل والفهم المكاني، بناءً على تجربتهم الحسية في اليقظة.

هل تزداد حدة الكوابيس والمشاعر في أحلام المكفوفين؟

أظهرت بعض الدراسات، ومنها دراسة أجريت في الدنمارك، أن المكفوفين قد يبلغون عن تعرضهم للكوابيس بنسبة تفوق المبصرين. غالبًا ما تتمحور هذه الكوابيس حول مخاوف مرتبطة بحياتهم اليومية، مثل التعرض للسقوط، الضياع في مكان غير مألوف، أو فقدان العصا البيضاء أو كلب الإرشاد.

يعكس هذا كيف أن الأحلام، بما في ذلك الكوابيس، هي مرآة لهمومنا ومخاوفنا في اليقظة. كما أن المشاعر بشكل عام قد تكون أكثر كثافة وتركيزًا في أحلام المكفوفين، لأن الدماغ يركز على التجارب العاطفية والحسية في غياب المشتتات البصرية.

خلاصة القول: كيف نفهم طبيعة أحلام المكفوفين؟

إن عالم أحلام فاقدي البصر هو برهان ساطع على مرونة الدماغ البشري وقدرته الهائلة على التكيف. الأحلام ليست ظاهرة بصرية، بل هي ظاهرة إدراكية. فالدماغ يستخدم الأدوات المتاحة له ليخلق واقعًا ليليًا متماسكًا وغنيًا بالتفاصيل.

بدلاً من “رؤية” الحلم، فإن الشخص الكفيف “يختبر” الحلم من خلال الأصوات، الملامس، الروائح، والمشاعر. إنها تجربة إنسانية كاملة، لا تختلف في عمقها أو أهميتها عن أحلام المبصرين، ولكنها تُروى بلغة حسية مختلفة ومدهشة.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

By browsing this website, you agree to our privacy policy.
I Agree