29 يوليو، 2025 in غير مصنف

هل يستخدم الكفيف الهواتف الذكية والحواسيب؟ وكيف ذلك؟

في عالم تحكمه الشاشات والتفاعلات المرئية، قد يبدو من الصعب تخيل كيف يمكن لشخص فاقد للبصر أن يستخدم هاتفًا ذكيًا أو حاسوبًا. لكن الحقيقة المدهشة هي أن المكفوفين ليسوا فقط قادرين على استخدام هذه الأجهزة، بل إنهم يستخدمونها بمهارة واحترافية في كافة جوانب حياتهم اليومية، من التواصل والدراسة والعمل، وصولًا إلى الترفيه والتسوق عبر الإنترنت. فكيف يتم ذلك؟ السر يكمن في تقنيات رائعة مدمجة في صميم أنظمة التشغيل الحديثة.

ما هي تقنية “قارئ الشاشة”؟ المفتاح السحري لعالم رقمي مسموع

التقنية الأساسية التي تفتح أبواب العالم الرقمي للمكفوفين هي قارئ الشاشة (Screen Reader). ببساطة، قارئ الشاشة هو برنامج يقوم بتحويل كل ما هو مرئي على الشاشة—من نصوص، أيقونات، أزرار، وروابط—إلى مخرجات يمكن للمستخدم إدراكها، إما عن طريق:

 * الكلام المنطوق (Speech): يقرأ البرنامج بصوت عالٍ ومفهوم اسم العنصر الذي يلمسه المستخدم أو يتنقل إليه.

 * شاشة برايل (Braille Display): يمكن توصيل جهاز خارجي يترجم النص إلى طريقة برايل، مما يسمح للمستخدم بقراءته عن طريق اللمس.

الأمر الأكثر أهمية هو أن هذه البرامج لم تعد تطبيقات خارجية باهظة الثمن، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أنظمة تشغيل الهواتف والحواسيب، ومتاحة للجميع بشكل مجاني.

كيف يستخدم الكفيف الهواتف الذكية؟ (iOS وأندرويد)

تعتمد طريقة الاستخدام على مجموعة من الإيماءات اللمسية البسيطة والمختلفة عن تلك التي يستخدمها المبصرون.

نظام iOS (آيفون وآيباد) وتقنية VoiceOver

في أجهزة آبل، يُطلق على قارئ الشاشة اسم VoiceOver. عند تفعيله، تتغير طريقة التفاعل مع الشاشة كليًا:

 * اللمسة الواحدة: عند لمس أي عنصر على الشاشة (مثل أيقونة تطبيق)، لا يتم فتحه، بل يقوم VoiceOver بنطق اسم هذا العنصر بصوت عالٍ. هذا يسمح للمستخدم بـ “استكشاف” الشاشة بإصبعه لمعرفة محتوياتها.

 * النقر المزدوج: لتفعيل أو فتح العنصر الذي تم تحديده، يقوم المستخدم بالنقر المزدوج في أي مكان على الشاشة.

 * السحب (يمينًا أو يسارًا): تسمح هذه الإيماءة بالتنقل بشكل تسلسلي بين العناصر الموجودة على الشاشة واحدًا تلو الآخر.

 * السحب بثلاثة أصابع: تستخدم هذه الإيماءة للتمرير بين الصفحات أو القوائم الطويلة.

مثال بسيط: لفتح تطبيق “واتساب”، يقوم المستخدم الكفيف بالسحب بإصبعه إلى اليمين حتى يسمع صوت “واتساب”، ثم ينقر نقرًا مزدوجًا على الشاشة لفتح التطبيق.

نظام أندرويد وتقنية TalkBack

على نحو مشابه، يوفر نظام أندرويد قارئ شاشة مدمجًا يُسمى TalkBack. تعمل هذه التقنية بنفس المبدأ القائم على الاستكشاف الصوتي:

  •  * اللمسة الواحدة لاستكشاف الشاشة وسماع أسماء العناصر.
  •  * النقر المزدوج لتفعيل العنصر المحدد.
  •  * السحب بإصبعين (بدلًا من ثلاثة) للتمرير في القوائم والصفحات.

مثال بسيط: لإجراء مكالمة، يمكن للمستخدم التنقل إلى تطبيق “الهاتف”، ثم النقر المزدوج لفتحه، وبعد ذلك يتنقل بين جهات الاتصال حتى يسمع اسم الشخص المطلوب، ثم ينقر نقرًا مزدوجًا مرة أخرى لبدء الاتصال.

وكيف يتم استخدام الحواسيب؟ (ويندوز وماك)

على الحواسيب، يعتمد المستخدم الكفيف بشكل كامل على لوحة المفاتيح (الكيبورد) للتنقل والتفاعل، حيث تحل اختصارات لوحة المفاتيح محل الفأرة (الماوس).

نظام ويندوز (Narrator, JAWS, NVDA)

يحتوي نظام ويندوز على قارئ شاشة مدمج يُدعى الراوي (Narrator). ومع ذلك، يعتمد معظم المستخدمين المحترفين على برامج أكثر قوة مثل JAWS (وهو برنامج مدفوع) أو NVDA (وهو برنامج مجاني ومفتوح المصدر ويحظى بشعبية هائلة).

يستخدم المستخدم اختصارات لوحة المفاتيح لكل شيء:

 * مفاتيح الأسهم: لقراءة النصوص سطرًا بسطر أو حرفًا بحرف.

 * مفتاح Tab: للتنقل السريع بين الروابط والأزرار وحقول النماذج في صفحات الويب.

 * اختصارات خاصة: هناك اختصارات لقراءة عنوان النافذة، أو الانتقال إلى بداية المستند، أو سرد جميع الروابط الموجودة في الصفحة.

مثال بسيط: لقراءة مقال على الإنترنت، يقوم المستخدم بفتح المتصفح، ثم يستخدم مفتاح Tab للوصول إلى حقل البحث وكتابة ما يريد، ثم يتنقل بين نتائج البحث بالأسهم ويضغط Enter لفتح الرابط. وبمجرد فتح المقال، يستخدم مفتاح السهم لأسفل ليبدأ قارئ الشاشة في قراءة المقال بصوت عالٍ.

نظام macOS (VoiceOver)

كما هو الحال في الآيفون، يستخدم نظام تشغيل أجهزة ماك قارئ الشاشة VoiceOver. يوفر هذا تجربة متسقة لمستخدمي منتجات آبل. يعتمد التنقل على استخدام مفتاحي Control + Option (يُطلق عليهما “مفاتيح VO”) مع مفاتيح أخرى.

مثال: للتحرك إلى العنصر التالي، يضغط المستخدم على VO + السهم الأيمن. ولتفعيل زر ما، يضغط على VO + مفتاح المسافة.

خاتمة: التكنولوجيا كأداة تمكين

في النهاية، الهواتف الذكية والحواسيب ليست مجرد أدوات رفاهية للمكفوفين، بل هي أدوات تمكين أساسية تمنحهم استقلالية غير مسبوقة. من خلالها، يمكنهم إدارة حساباتهم المصرفية، التسوق، حجز سيارات الأجرة، قراءة الكتب، التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى العمل في مجالات معقدة مثل البرمجة وتحرير الصوت. لقد نجحت التكنولوجيا في إزالة حواجز كثيرة، وأثبتت أن الإعاقة لا تكمن في الفرد، بل في البيئة غير المجهزة لاستيعابه.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

By browsing this website, you agree to our privacy policy.
I Agree